الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
233
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الهزيمة . والشهداء هم الّذين قتلوا يوم أحد ، وعبّر عن تقدير الشهادة لهم بالاتّخاذ لأنّ الشهادة فضيلة من اللّه ، واقتراب من رضوانه ، ولذلك قوبل بقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي الكافرين فهو في جانب الكفّار ، أي فقتلاكم في الجنّة ، وقتلاهم في النّار ، فهو كقوله : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [ التوبة : 52 ] . والتّمحيص : التنقية والتخليص من العيوب . والمحق : الإهلاك . وقد جعل اللّه تعالى مسّ القرح المؤمنين والكفار فاعلا فعلا واحدا : هو فضيلة في جانب المؤمنين ، ورزيّة في جانب الكافرين ، فجعله للمؤمنين تمحيصا وزيادة في تزكية أنفسهم ، واعتبارا بمواعظ اللّه تعالى ، وجعله للكافرين هلاكا ، لأنّ ما أصابهم في بدر تناسوه ، وما انتصروه في أحد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون ؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم ، على أنّ المؤمنين في ازدياد ، فلا ينقصهم من قتل منهم ، والكفّار في تناقض فمن ذهب منهم نفد . وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النّفوس كمالا وبعضها نقصا قال أبو الطيب : فحبّ الجبان العيش أورده التّقى * وحبّ الشجاع العيش أورده الحربا ويختلف القصدان والفعل واحد * إلى أن نرى إحسان هذا لنا ذنبا وقال تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 124 ، 125 ] ، وقال : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [ الإسراء : 82 ] وهذا من بديع تقدير اللّه تعالى . [ 142 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 142 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) أَمْ هنا منقطعة ، هي بمعنى ( بل ) الانتقالية ، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر ، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام ، لملازمتها للاستفهام ، حتّى قال الزمخشري والمحقّقون : إنّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها ، وقال غيره : ذلك هو الغالب وقد تفارقه ، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التّأويل . فقوله : أَمْ حَسِبْتُمْ عطف على جملة وَلا تَهِنُوا [ آل عمران : 139 ] وذلك أنّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النّصر الّذي شاهدوه يوم بدر ،